محمد بن جرير الطبري
215
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ قال : نزلت في عبد الله بن أبي ، وأبي عامر بن النعمان ، وفي المنافقين ؛ يخادعون الله وهو خادعهم ، قال : مثل قوله في البقرة : يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ البقرة : . قال : وأما قوله : وَهُوَ خادِعُهُمْ فيقول : في النور الذي يعطى المنافقون مع المؤمنين ، فيعطون النور ، فإذا بلغوا السور سلب ، وما ذكر الله من قوله : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ الحديد : قال : قوله : وَهُوَ خادِعُهُمْ . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الحسن ، أنه كان إذا قرأ : إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ قال : يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به ، حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفئ نور المنافقين ، ومضى المؤمنين بنورهم ، فينادونهم : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ إلى قوله : وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ الحديد : قال الحسن : فتلك خديعة الله إياهم . وأما قوله : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ فإنه يعني : أن المنافقين لا يعملون شيئا من الأعمال التي فرضها الله على المؤمنين على وجه التقرب بها إلى الله ، لأنهم غير موقنين بمعاد ولا ثواب ولا عقاب ، وإنما يعملون ما عملوا من الأعمال الظاهرة بقاء على أنفسهم وحذارا من المؤمنين عليها أن يقتلوا أو يسلبوا أموالهم ، فهم إذا قاموا إلى الصلاة التي هي من الفرائض الظاهرة ، قاموا كسالى إليها ، رياء للمؤمنين ، ليحسبوهم منهم وليسوا منهم ؛ لأنهم غير معتقدي فرضها ووجوبها عليهم ، فهم في قيامهم إليها كسالى . كما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى قال : والله لولا الناس ما صلى المنافق ولا يصلي إلا رياء وسمعة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ قال : هم المنافقون ، لولا الرياء ما صلوا . وأما قوله : وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا فلعل قائلا أن يقول : وهل من ذكر الله شيء قليل ؟ قيل له : إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبت ، إنما معناه : ولا يذكرون الله إلا ذكرا رياء ، ليدفعوا به عن أنفسهم القتل والسباء وسلب الأموال ، لا ذكر موقن مصدق بتوحيد الله مخلص له الربوبية ، فلذلك سماه الله قليلا ، لأنه غير مقصود به الله ولا مبتغي به التقرب إلى الله ، ولا مرادا به ثواب الله ، وما عنده فهو وإن كثر من وجه نصب عامله ، وذاكره في معنى السراب الذي له ظاهر بغير حقيقة ماء . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن أبي الأشهب ، قال : قرأ الحسن : وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا قال : إنما قل لأنه كان لغير الله . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا قال : إنما قل ذكر المنافق لأن الله لم يقبله ، وكل ما رد الله قليل وكل ما قبل الله كثير . القول في تأويل قوله تعالى : مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يعني جل ثناؤه بقوله : مُذَبْذَبِينَ مرددين ، وأصل التذبذب : التحرك والاضطراب ، كما قال النابغة : ألم تر أن الله أعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب وإنما عنى بذلك : أن المنافقين متحيرون في دينهم ، لا يرجعون إلى اعتقاد شيء على صحة فهم لامع المؤمنين على بصيرة ، ولا مع المشركين على جهالة ، ولكنهم حيارى بين ذلك ، فمثلهم المثل الذي ضرب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي : حدثنا به محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين ، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة ، لا تدري أيتهما تتبع " . وحدثنا به محمد بن المثنى مرة أخرى عن عبد